محمد جواد مغنية

16

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

شؤون العقل ، ومعلوم أن مهمة الفيلسوف عقلية ، وليست لفظية ، وإذا استعمل اللفظ فإنما يستعمله كوسيلة وأداة للتعبير عما يريد ، شأنه في ذلك شأن أي انسان . ثانيا : ليس توزيع العلماء لمناطق الوجود ، واختصاص كل واحد بدائرة منه - معناه انه لم يبق للفلسفة موضوع تبحث فيه ، بل بقي لها الوجود المطلق الشامل « 1 » لجميع مناطق الوجود وانحائه ، فكما ان كل حاكم من حكام الأقاليم يسيطر على اقليمه ومنطقته ، والرئيس فوق الكل يسيطر على جميع الأقاليم والمناطق ؛ كذلك الفلسفة يخضع لها الوجود بكامله ، فالعالم بأسره موضوعها ، والكون بعظمته مجال دراستها . فإذا بحث كل عالم في جهة من جهات الكون فإن الفيلسوف يبحث في أصل الكون ، هل وجد من شيء أو لا شيء ؟ وهل هو حادث أو قديم ؟ وهل هو مادة صرف والروح عارض من عوارضه ، أو هو روح صرف ، والمادة صورة من صوره ؟ أو هو مادة وروح معا أو مادة وروح وواجب لوجود وراءهما ، أو لا مادة ولا روح ، وانما هو وهم وخيال ، كما تزعم فئة من السفسطائيين ؟ وهل وجد الكون صدفة ، أو بقدرة قادر ؟ ومن هو هذا القادر ؟ وما هي صفاته ، ومن أي نوع تكون علاقته بالكون ؟ وهل الأفكار الحاصلة من التجربة أو الاستنباط خطأ أو صواب ؟ وهل الدين هداية أو ضلالة ؟ وما هو مقياس الحسن والقبح ، والخير والشر ،

--> ( 1 ) بهذا يفرق بين العلم والفلسفة ، فموضوعها عام ، وموضوعه خاص . ثانيا : ان العلم يبحث عن العلل القريبة ، والفلسفة تبجث عن العلل البعيدة . ثالثا : الفلسفة تبحث عما ينبغي أن يكون والعلم عن الشكل الكائن بالفعل . وبعضهم فرق بينهما بقوله : ان العلم يتناول الطبيعة ، والفلسفة ماوراءها . ومهما يكن ، فإن التفرقة بينهما حديثة ترجع إلى 300 عام كما قيل .